jeudi 16 avril 2020

motivation des jugements criminels تسبيب الاحكام الجنائيةs


تسبيب الأحكام الجنائية وفق مقتضيات
القانون 17- 07 المعدل والمتمم
لـ ( ق.إ.ج)

غناي  رمضان
ramdaneghennai@gmail.com
أستاذ جامعي  متقاعد
                      محام معتمد لدى المحكمة
 العليا ومجلس الدولة

لا ينبغي تبرير الخطأ القضائي بدعوى أن القاضي إنسان وأن الإنسان خطاء بطبعه. هذا الاستدلال غير مقبول لأن خطا القاضي ولو عن غير قصد هو في جميع الحالات وخيم العواقب, يمس بحقوق وحريات المواطن المضمونة دستوريا والمحمية بموجب قواعد القانون الوطني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. 
تفاديا للخطأ القضائي والمحاكمة الجائرة، يقتضي المنطق وتقتضي مبادئ العدالة إلزام القاضي بتسبيب حكمه حتى:
- يطمئن المتقاضي على حقه في نزاهة حكم القاضي وحسن تطبيقه القانون,
- يسلم القاضي من مظنة الناس بأنه يصدر أحكامه عن هوى أو تخمين أو انحياز وربما عن جهل وغيرها من العوامل والاعتبارات التي تخرق مبادئ المحاكمة العادلة وتسيء إلى نزاهة ومصداقية العدالة.
يمكن تعريف التسبيب بأنه الوسيلة التي يعبر القاضي من خلالها عن الأسباب المتعلقة بالوقائع وبالقانون المبررة لمنطوق كل حكم صادر عنه. فالتسبيب ليس فقط مجرد بيان جوهري يجب أن تستوفيه الأحكام بل هو " لبِّ الحكم و قلبهِ النابض", وبفضله " يتحوّل القاضي من مُلاحظٍ و مُراقبٍ و مسجّلٍ إلى مُحللٍ و مُجادلٍ و حاكم " كما وصفه المستشار نجيمي جمال [1].   
لقد أصبح تسبيب المقررات القضائية في الجزائر، خلافا لما هو سائد في الكثير من الدول، مبدأ ذا قيمة دستورية la motivation est devenue un principe à valeur constitutionnelle   بعد تكريسه بموجب المادة 162 من التعديل الدستوري المؤرخ في 06 مارس 2016[2]. للتذكير, تشترط هذه المادة أن      (( تعلّل الأحكام القضائيّة، ويُنطَق بها في جلسات علانيّة.))، وفي فقرة ثانية أن (( تكون الأوامر القضائية معللة)).
دسترة التسبيب ألزمت المشرع بتكريس العمل به في الأحكام الصادرة عن المحاكم الجنائية لأول مرة في تاريخ القضاء الجزائري بمناسبة التعديل الأخير لقانون الإجراءات الجزائية ( ق ا ج) بموجب القانون 17-07[3].
بالإضافة إلى تأكيد المشرع في المادة الأولى المعدلة من هذا القانون على أن "يأخذ" (ق ا ج) "بعين الاعتبار" وعلى وجه الخصوص مجموعة من المبادئ والقواعد المعددة في هذه المادة، منها مبدأ (( وجوب أن تكون الأحكام والقرارات والأوامر معللة)), عدل المشرع المادة 309 من ذات القانون مدرجا خمس فقرات عنيت بتنظيم تسبيب الأحكام الجنائية. نصت الفقرة الثامنة من هذه المادة على أن يقوم رئيس المحكـمة أو من يفوضه من الـقـضاة المسـاعـدين (( بــتـحــريــر وتـوقــيع ورقــة الــتـســبــيب المـلــحــقـة بـورقــة الأسـئــلـة...)).
يطرح هذا التعديل الكثير من المسائل القانونية، تحاول هذه المساهمة عرض ومناقشة البعض منها (ثانيا  بعد التعرف على كيفية تنظيم المشرع تسبيب الأحكام الجنائية (أولا).


أولا: ضوابط تسبيب الأحكام الجنائية وفق القانون 17-07
        خصصت المادة 309 المعدلة خمس (5) فقرات ( من الفقرة 8 إلى 12) لتنظيم مسألة تسبيب الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات بدرجتيها الابتدائية والاستئنافية. هذا التنظيم هو، في الحقيقة، تقليد مفصل لقانون الإجراءات الجزائية الفرنسي المعدل بموجب القانون رقم 2011-939 المؤرخ في 10 أوت 2011 الذي كرس وجوب تسبيب الأحكام الجنائية تحت تأثير الاجتهاد القضائي للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان. للإسهاب، تراجعت هذه اللجنة منذ قرارها الفاصل في قضية زروالي ضد بلجيكا (1994) [4] عن مواقفها السابقة وأصبحت تعتبر تسبيب الأحكام الجنائية ضرورة لضمان عدالة ذات نوعية وسدا منيعا ضد التسلط مثلما جاء في إحدى حيثيات هذا القرار:
 « La motivation est indispensable à la qualité même de la justice et constitue un rempart contre l’arbitraire »[5]

1- بخصوص الشكل الذي يفرغ فيه التسبيب:
يتم تحرير وتوقيع التسبيب في شكل وثيقة تدعى طبقا لنص المادة 309 بورقة التسبيب. أكد المشرع أن ورقة التسبيب تلحق بورقة الأسئلة وانه في حالة عدم إمكان إعداد وثيقة التسبيب في الحين يمكن " وضع" هذه الورقة (( لدى أمانة الضبط في ظرف ثلاثة (3) أيام من تاريخ النطق بالحكم)).
هذا يسمح الاستنتاج بأنه لا يتم في هذه الحالة تدوين مضمون ورقة التسبيب في صلب الحكم الجنائي وما يؤكد صحة هذا الاستنتاج أن المادة 314 المعدلة لم تذكر (( التسبيب)) ضمن البيانات الواجب توفرها في الأحكام الجنائية على عكس ورقة الأسئلة المطروحة والأجوبة عليها التي يجب أن تدون في الحكم الجنائي إعمالا لصريح المادة 314/7.
2-بخصوص أجل تحرير التسبيب:
إن سماح المشرع تحرير ورقة التسبيب بعد النطق بالحكم الجنائي يطرح تساؤلات كثيرة حول مدى مصداقية هذا التسبيب. عدم المصداقية مرتبطة بعدم مشاركة المحلفين في انجاز ورقة التسبيب ومرتبطة كذلك بعدم تداول المحكمة في شان التسبيب المأخوذ به.
  ما الفائدة، من نظام المحلفين إذا كان بإمكان تسبيب الأحكام بدون مشاركة هؤلاء وبدون حضورهم؟ ألا يثق المشرع في كفاءة المحلفين وفي نزاهتهم؟ ألهذا السبب استبعدهم المشرع من تشكيل محاكم الجنايات الفاصلة في قضايا المخدرات وقضايا الإرهاب والتهريب بموجب المادة المعدلة 258/3[6]؟
تجدر الملاحظة بأن تعديل قانون الإجراءات الجزائية لا ينص على ضرورة التداول حول التسبيب المأخوذ به وهل يمكن ذلك عندما يتم النطق بالحكم قبل التسبيب ويتم رفع الجلسة لانتهاء المحاكمة وذهاب المحلفين لشأنهم؟ من غير المعقول ومن غير الجائز قانونا قبول التداول حول التسبيب المحرر بعد النطق بالحكم.
هذا يعتبر، بالتأكيد، خرقا صريحا لمبدأ تواصل "جلسة المحكمة دون انقطاع إلى حين النطق بالحكم" مثلما تقتضيه المادة 285/02 كما يتناقض مع قواعد قانونية عديدة يتم تعداد البعض منها لاحقا.
3 - بخصوص مجال تسبيب الأحكام الجنائية
مجال تسبيب الأحكام الجنائية محدد في أربع حالات هي:
- الحالة الأولى محددة في المادة 309/9:
       تتمثل هذه الحالة في التسبيب عند الحكم بالإدانة، يجب حينها (( أن تــوضح ورقــة الــتــســبــيب ... أهم الـعـناصـر الـتي جـعـلت المحـكمـة تـقـتـنع بـالإدانة في كل واقعة حسب ما يستخلص من المداولة )).
- الحالة الثانية محددة في المادة 309/10:
      التسبيب عند الحكم بالبراءة، يجب حينها (( أن يـحــدد الـــتـــســـبـــيب، الأســـبـــاب الـــرئـــيـــســيـــة الـــتـي عــلـى أســـاســـهــا استبعدت محكمة الجنايات إدانة المتهم )).
- الحالة الثالثة محددة في الفقرة 309/11:
      التسبيب عند الحكم بالإدانة في بعض الأفعال وبالبراءة في البعض الآخر، يجب حينها  (( أن يبين التسبيب أهم عناصر الإدانة والبراءة )).
- الحالة الرابعة محددة في المادة 309/12:
        التسبيب عند الحكم بالإعــفــاء من المـــســؤولــيــة، يجب حينها (( أن يــوضح الـتـسـبـيب الـعـنـاصـر الـرئــيـسـيـة الـتي أقنعت المحـكـمـة أن المـتـهم ارتـكـب مـاديـا الـوقـائع المـنـسـوبـة إلـيه، مع تـوضـيح الأســـبــاب الـــرئـــيـــســيـــة الـــتي عـــلى أســـاســـهــا تم اســـتـــبـــعــاد مسؤوليته )).

       يتبين من القراءة المتأنية لهذه الحالات أن مجال التسبيب لا يتعلق بالعقوبة المنطوق بها وإنما يخص فقط تبرير البراءة أو الإدانة أو الإعفاء من المسؤولية. كما يتبين بأن المشرع أعطى للقاضي المكلف بتحرير ورقة التسبيب سلطة تقديرية واسعة بتوضيح أهم عناصر الإدانة وليس كلها وبتحديد الأسباب الرئيسية فقط لاستبعاد الإدانة.
لماذا استبعد المشرع ضمنيا تسبيب العقوبة ؟ هل إجابة المحكمة على السؤال المتعلق باستفادة المتهم من ظروف التخفيف يعفي المحكمة من تسبيب العقوبة المحكوم بها؟ هل الحكم بعقوبة جنائية نافذة لا يستدعي التسبيب عكس ما تقتضيه المادة 358 بخصوص أمر محكمة الجنح بإيداع المتهم بمؤسسة إعادة التربية المطلوب فيه أن يكون (( بقرار خاص مسبب)).
أسئلة كثيرة تبقى مطروحة تنتظر اهتمام الفقه بها ومعرفة طبيعة الاجتهاد القضائي تطبيقا للمقتضيات الإجرائية الجديدة.
لكن في انتظار ذلك، لابد من إثراء النقاش حول أهم الإشكالات والمسائل القانونية التي يطرحها تسبيب الأحكام الجنائية.

ثانيا: المسائل القانونية المطروحة:
       هي عديدة ومتنوعة تكتسي كلها أهمية علمية وعملية في نفس الوقت, منها:
1-عن مدى تعارض التسبيب مع الاقتناع الشخصي
لابد من الإشارة إلى أن التعديل الأخير لـ (ق ا ج) لم يعدل ولم يتمم مقتضيات المادة 307 المتضمنة التعليمات التي يتلوها الرئيس على هيئة المحكمة الجنائية قبل انسحابها إلى غرفة المداولة.  للتذكير، تنص هذه المادة على أن       (( القانون لا يطلب من القضاة أن يقدموا حسابا عن الوسائل التي بها قد وصلوا إلى تكوين اقتناعهم ، ولا يرسم لهم قواعد بها يتعين عليهم أن يخضعوا لها على الأخص تقدير تمام أو كفاية دليل ما، ولكنه يأمرهم أن يسألوا أنفسهم في صمت وتدبر وان يبحثوا بإخلاص  ضمائرهم  في أي تأثير قد أحدثته في إدراكهم الأدلة المسندة إلى المتهم وأوجه الدفاع عنه ولم يضع لهم القانون سوى هذا السؤال الذي يتضمن نطاق كل واجباتهم. هل لديكم اقتناع شخصي؟)).
هذا النص واضح. يعتبر الاقتناع الشخصي أساس الأحكام الصادرة عن محاكم الجنايات في الدعوى العمومية.
استنادا إلى هذه المادة، يعتقد بعض الزملاء بأن تسبيب الأحكام الجنائية يتعارض مبدئيا مع كون هذه الأحكام تصدر بناء على الاقتناع الشخصي.  في الحقيقة, ليس هناك شك في أن صياغة المادة 307 أصبحت غير منسجمة من حيث مدلولها مع إلزامية تسبيب الأحكام الجنائية، إذ لا يعقل أن يكون القضاة غير ملزمين قانونا بتقديم حساب " عن الوسائل التي بها قد وصلوا إلى تكوين اقتناعهم" مع إلزامهم، في المقابل، بتسبيب أحكامهم.
لكن خلافا لهذا الرأي يمكن، من وجهة نظر أخرى، اعتبار تسبيب الأحكام الجنائية أمرا لا يتعارض من حيث الجوهر مع الاقتناع الشخصي، طالما أن هذا الاقتناع هو طبقا لمقتضيات نفس المادة نتاج مدى تأثير " الأدلة المسندة للمتهم وأوجه الدفاع عنه " في "إدراك" قضاة المحكمة حسب الصياغة المستعملة. هذا يعني بأن الأحكام الجنائية لا تبنى على الظن والتخمين وإنما على تقدير " الأدلة المسندة للمتهم وأوجه الدفاع عنه " وبالتالي لا يعقل منطقيا استبعاد التسبيب بدعوى أن القانون لا يضع لقضاة محكمة الجنايات سوى سؤال واحد هل لديهم اقتناع شخصي. اقتناع شخصي نعم لكنه مبني بالضرورة على تقدير " الأدلة المسندة للمتهم وأوجه الدفاع عنه".
من الواضح أن حيثيات المادة 307 ربطت تكوين اقتناع المحكمة بـ " الأدلة المسندة للمتهم وأوجه الدفاع عنه " بمعني أن المحكمة ولو بافتراض أنها كانت غير ملزمة قانونا بتسبيب أحكامها فهي، في الواقع، تبني اقتناعها على الأدلة والحجج المقدمة لها في معرض المرافعات والتي تتم مناقشتها وجاهيا أمامها طبقا للمادة 212 من (ق ا ج).
هذا الطرح جد معقول لأن التمسك بخلاف هذا يعني اعتبار "الاقتناع الشخصي" بمثابة عذر أو إذن أو ترخيص يسمحون لمحكمة الجنايات إصدار أحكامها وفق الأهواء والنزوات وليس نتيجة تأثير الأدلة المسندة للمتهم وأوجه الدفاع عنه مثلما تقتضيه المادة القانونية.
بغض النظر عن اختلاف الرأي هذا، كان ينبغي على المشرع مراجعة نص المادة 307 بمناسبة إجراء التعديلات الأخيرة لـ (ق ا ج) من اجل  تفادي التعارض الملحوظ وتحقيق انسجام التعديلات الجديدة مع المواد غير المعدلة.
للأسف، لا يمكن تفسير عدم تعديل هذه المادة على أنه مجرد سهو كما جرت العادة في تبرير حالات الإغفال. عدم تعديل هذه المادة راجع في الأصل إلى عدم وجود آلية معمول بها تسمح بضبط انسجام النصوص المستحدثة مع النصوص غير المعدلة. وثيقة عرض الأسباب المرفقة بكل مشروع قانون، المعمول بها بموجب المادة 20 من القانون العضوي رقم 99-02 الصادر بتاريخ 08 مارس 1999، المحدد لتنظيم العلاقات الوظيفية بين غرفتي البرلمان والحكومة، [7] لا تهتم بمسألة انسجام النصوص وإنما تتولى شرح الأسباب التي من اجلها تم تقديم المشروع. لذا، لقد بات من الضروري اعتماد نظام إجرائي جديد يتمثل في إعداد دراسة بمناسبة كل مشروع قانون تعنى بضبط انعكاسات النص الجديد على النصوص القديمة المرتبطة به وإرفاق هذه الدراسة بمشروع القانون إلى جانب وثيقة عرض الأسباب عند عرض المشروع على البرلمان. هذا الأسلوب مجدي ومفيد للحد من ظاهرة تفاقم حالات عدم تجانس وعدم انسجام النصوص القانونية جديدها  وقديمها.
إذا كان تقليد المشرع الجزائري لزميله الفرنسي في تعديل التقنينات الإجرائية معروفا، مثل حال القانون 17-07 المكرس لمبدأ تسبيب الأحكام الجنائية، فما المانع من أن يستأنس بالتجربة الفرنسية في إعداد الدراسات المتعلقة بانعكاسات النصوص الجديدة على المنظومة القانونية أو ما يسمى بـالفرنسية  « Etude d’impact » المعمول به في فرنسا منذ صدور القانون العضوي رقم 2009/403 المؤرخ في 15 افريل  2009 ؟ [8]
في مجتمع دولي معولم أصبح استيراد النصوص القانونية أمرا معتادا ومعمولا به في مختلف المجتمعات المعاصرة ولا حرج في ذلك لان الأفكار القانونية البناءة والمفيدة هي تراث مشترك لكل الإنسانية شريطة أن تكون منتجة وصالحة  للعمل بها في أرض الوطن [9].

2-عن مدى اعتبار الإجابة على ورقة الأسئلة بمثابة اساس تسبيب للأحكام الجنائية:
يقوم رئيس المحكمة طبقا للمادة 305، بعد إقفال باب المرافعات، بقراءة ورقة الأسئلة على أن يتم وضع سؤال عن كل واقعة معينة في منطوق قرار الإحالة وان تكون صيغة السؤال على النحو التالي "هل المتهم مذنب بارتكاب هذه الواقعة ؟"[10].
هل يمكن اعتبار الإجابات التي تقدمها محكمة الجنايات على الأسئلة المطروحة بمثابة أساس لتسبيب الأحكام التي تصدرها هذه المحكمة؟
الجواب هو بالنفي استنادا لمجموعة من الاعتبارات :
~ لكون الإجابات على الأسئلة المطروحة تكون بنعم أو بلا وبدون أي تعليل أو شرح للاعتبارات التي جعلت المحكمة تصدر حكمها في اتجاه معين وليس في اتجاه آخر، بينما يتضمن التسبيب طبقا للمادة 309 العناصر والأسباب التي تناقشها المحكمة أثناء المداولة لتبرير أحكامها.
~ لأن الأسئلة المطروحة تتعلق بالوقائع المعينة في قرار الإحالة حسب نص المادة 305 بينما لا يمكن للقاضي الجزائي طبقا للمادة 212 تكوين اقتناعه إلا بناء على " الأدلة المسندة للمتهم" التي تتم مناقشتها حضوريا أمام المحكمة.

3-عن احتكار تحرير ورقة التسبيب من طرف قضاة المحكمة الجنائية:
إذا كانت نية المشرع من تخصيص مهمة تحرير ورقة التسبيب لرئيس محكمة الجنايات أو بتفويض منه لأحد القضاة المساعدين دون المحلفين, هي لهدف ضمان النوعية في التسبيب لكون القضاة هم أدرى بضوابط وفنيات التسبيب، فإنه ليس من المعقول تحرير التسبيب في غياب المحلفين ودون الموافقة عليه من طرف تشكيلة المحكمة بمجملها, علما أن الحكم الجنائي يصدر باسم المحكمة مشكلة من قضاتها ومحلفيها؟
ما الفائدة، في هذه الحالة، من نظام المحلفين إذا كان هؤلاء غير معنيين أو بالأحرى مستبعدين من المساهمة في تحرير تسبيب الأحكام التي يشاركون في إصدارها ؟
احتكار القضاة لمهمة التسبيب قد يطرح عمليا إشكالات جد عويصة للقاضي الذي يقوم بتحرير ورقة التسبيب في حالة اقتناع القضاة الثلاثة المشكلين للمحكمة بعكس ما اقتنع به المحلفون الأربعة. في هذا الافتراض لا يكون منطوق الحكم معبرا عن موقف القاضي المكلف بتحرير ورقة التسبيب. إذن, كيف يستطيع هذا القاضي تسبيب حكم هو غير مقتنع بمنطوقه ؟ مرغم لا بطل, سيضطر القاضي لتسبيب أحكام مخالفا بذلك اقتناعه الشخصي.
هل يتوفر في مثل هذا النوع من التسبيب مقومات التعبير بصدق ونزاهة عن الأسباب المبررة لمنطوق الأحكام الجنائية؟

4-عن مشروعية تحرير التسبيب بعد النطق بالأحكام الجنائية:
تتنافى الإجراءات المستحدثة في تسبيب الأحكام الجنائية بعد النطق بها مع الكثير من القواعد المكرسة في المنظومة القانونية، يذكر منها: 
- المادة 162/1 من الدستور التي تنص على أن (( تعلّل الأحكام القضائيّة، ويُنطَق بها في جلسات علانيّة.))  هذه المادة رتبت عملية تعليل الأحكام القضائية قبل النطق بها.
 - المادة الأولى المعدلة من (ق ا ج) التي تنص في فقرتها الثامنة على          (( وجـــوب أن تـكـون الأحكام والـقـرارات والأوامر القضائية معللة )) .هذا يعني أن تكون المقررات القضائية معللة قبل النطق بها.
- المادة 282 من (ق ا ج) التي تنص على أن: (( يــصـدر الــرئـيس والــقـضاة أعــضاء المحـكمـة، بعـد سمـاع أقـوال النـيابـة العـامـة، حكـما مـسبـبا،  بـكل الأوامـر المـتخـذة وفـقـا لأحـكام المادة 281 مـن هـذا القانون )). للتذكير, تتعلق هذه الأوامر بشطب أسماء المحلفين من القائمة عندما يتبين لمحكمة الجنايات عدم استيفاء شروط تأهيلهم التي تتطلبها المادة 261 من (ق ا ج).
- المادة 379 من (ق ا ج) المتعلقة بالحكم في الجنح[11] التي تنص على أن (( كل حكم يجب أن ينص على هوية الأطراف وحضورهم وغيابهم في يوم النطق بالحكم. ويجب أن يشتمل على أسباب ومنطوق. وتكون الأسباب أساس الحكم )). المقصود بالأسباب (les motifs)  هو تعليل الأحكام وتسبيبها.
- المادة 380 من (ق ا ج) المتعلقة بالأمر الجزائي[12] التي، بعد تحديدها لمضمون الأمر الجزائي من ذكر هوية المتهم وموطنه، تاريخ ومكان ارتكاب الأفعال، التكييف القانوني للوقائع والنصوص القانونية المطبقة، أكدت على أن  (( يكون الأمر مسببا)).
- المادة 500 من (ق ا ج) التي كرست " انعدام أو قصور الأسباب " ضمن حالات أوجه الطعن بالنقض المبررة لإبطال الأحكام والقرارات القضائية الجزائية المطعون فيها أمام المحكمة العليا.
- المادة 11 من قانون الإجراءات المدنية والإدارية : " يـجـب أن تــكـون الأوامـر والأحــكـام  والقرارات مسببة ".
المادة 358 من (ق ا م ا) عددت ضمن أوجه الطعن بالنقض ثلاثة أوجه تتعلق بالتسبيب وهي: - انعدام التسبيب - قصور التسبيب  - وتناقض التسبيب مع المنطوق.
- المادة 277 من  (ق ا م ا): تنص صراحة أنه (( لا يجـوز النـطق بالحـكم إلا بعـد تسـبيبه، ويـجب أن يسـبب الحكم من حيث الـوقائع والـقانون...)). بالمناسبة كم من قضاة تعرضوا لعقوبات تأديبية إلى حد العزل لأنهم أصدروا أحكاما وقرارات قبل تسبيبها؟ 
- المادتان 888 و916 من (ق ا م ا) تحيلان على المادة 277 السالفة الذكر بالنسبة لتحديد مضمون الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية والقرارات الصادرة عن مجلس الدولة.
- مدونة أخلاقيات مهنة القضاة [13] التي تنص في المحور الثاني المتعلق بالتزامات القاضي على (( تــســبــيب أحـكـامه فـي الآجال المـطلـوبة وبـصـفـة شخصية ))  وأن (( يسبب أحكامه تسبيبا كافيا)).  أكدت هذه المدونة على أنها وضعت لـكي      (( يدرك القاضي ويلتزم التزاما صريحا بالاستقلالية والحياد والنزاهة والشرعية بما في ذلك تطبيق القانون وواجب العلم به والنطق به في الآجال المعقولة مسببا حكمه تسبيبا كافيا".
- النظام الداخلي للمحكمة العليا [14] الذي يلزم المستشار المقرر بتحرير القرار النهائي (( بناء على المداولة وقبل النطق به في الجلسة)).
       يستخلص من كل هذه النصوص حصر عناصر التسبيب  في ضرورة تسبيب جميع أنواع المقررات القضائية أحكاما قرارات وأوامر، وأن يكون التسبيب كافيا، وأن يتم قبل النطق بالمقررات القضائية.

5-عن عدم تكريس المشرع تسبيب العقوبة المنطوق بها
      للتأكيد مرة أخرى، يقتصر مجال تسبيب الأحكام الجنائية طبقا للمادة 309 من (ق ا ج) المعدل بموجب القانون 17-07 على تسبيب احكم الإدانة أو البراءة أو الإعفاء من المسؤولية الجنائية فقط ولا يتعلق بتسبيب العقوبات المنطوق بها، تماما مثلما أخذ به القانون الفرنسي السالف الذكر.
في غياب نشر وثيقة عرض الأسباب المرفقة  بمشروع القانون رقم 17-07 المعدل لـ (ق ا ج)، وفي غياب نشر محاضر أشغال البرلمان المتعلقة بمناقشة مشروع هذا القانون، وباعتبار عدم وجود اجتهادات صادرة عن المحكمة العليا بسبب دخول التعديل حيز التنفيذ منذ زمن قريب، لا يمكن حاليا, لكل هذه الأسباب, معرفة الدوافع التي جعلت المشرع يستبعد ضمنيا تسبيب العقوبات المنطوق بها ماعدا أن صح الاعتقاد بأن هذا الاستبعاد هو مجرد نتيجة التقليد الأعمى للتشريع الفرنسي ليس إلا.
 لابد إذن، من الرجوع على الأقل إلى اجتهادات الغرفة الجنائية لمحكمة النقض الفرنسية لتقصي مبررات إقصاء العقوبات المنطوق بها من التسبيب في ظل القانون الفرنسي. للإسهاب، فسرت هذه الغرفة غياب تسبيب العقوبات المنطوق بها بسبب عاملين اثنين هما العمل بنظام المحلفين وضرورة التصويت بالأغلبية لاتخاذ العقوبات المنطوق بها. هذان العاملان يعترضان حسب رأي الغرفة الجنائية على إمكانية تسبيب العقوبات المنطوق بها. (  Crim., QPC, 20 nov. 2013, F-D, n° 12-86.630) [15].
قضت نفس الغرفة مؤخرا بنقض الحكم الجنائي المطعون فيه لان ورقة التسبيب تضمنت تسبيب العقوبة المنطوق بها ( قرار رقم 381 مؤرخ في 8 فيفري 2017) [16]. يعد هذا التسبيب من وجهة نظر هذه الغرفة تطبيقا مخالفا لمبدأ تسبيب الأحكام الجنائية وفق ما هو مكرس في المادة 365/1 من (ق ا ج الفرنسي) مؤكدة أنه في غياب مقتضيات قانونية تسمح بتسبيب العقوبة فإنه لا يجوز للمحكمة والمحلفين تسبيب اختيارهم للعقوبة المنطوق بها. جاء في القرار السالف الذكر ما يلي:
(( Attendu que, …., en cas de condamnation par la cour d’assises, la motivation consiste dans l’énoncé des principaux éléments à charge qui l’ont convaincue de la culpabilité de l’accusé ; qu’en l’absence d’autre disposition légale le prévoyant, la cour et le jury ne doivent pas motiver le choix de la peine qu’ils prononcent dans les conditions définies à l’article 362 du code susvisé ;))
((Attendu que la feuille de motivation, intégralement reproduite dans l’arrêt, comporte, notamment, les énonciations suivantes : “La dangerosité de Joël X..., en totale inadéquation avec les problèmes de voisinage qu’il invoque, les conséquences irréversibles de cet incendie dans lequel une jeune fille de vingt-six ans a trouvé la mort, et le peu d’introspection et de compassion manifestées par l’accusé plus de cinq ans après les faits justifient le prononcé d’une peine d’enfermement d’une durée très significative” ;))
((Mais attendu que ces énonciations, qui relèvent non pas de la déclaration de culpabilité mais de la motivation de la peine, contreviennent au principe ci-dessus énoncé ;))
((Qu’en conséquence, la cassation est encourue))

هل ستتخذ الغرفة الجنائية لدى المحكمة العليا في بلادنا نفس الموقف بأن تقضي بنقض الأحكام الجنائية بداع  تسبيب العقوبة المنطوق بها ؟ أم أنها ستجتهد بقبول الطعون بالنقض لعدم تسبيب العقوبات الجنائية المنطوق بها؟  كيف سيكون موقف المجلس الدستوري عندما تتم إحالة قضايا أمامه تتعلق بإثارة دفوع بعدم دستورية المادة 309 من (ق ا ج) لكونها تستبعد ضمنيا تسبيب العقوبات الجنائية المنطوق بها خلافا لما تقتضيه المادة 162 من الدستور المكرسة لمبدأ تسبيب الأحكام في المادة الجزائية [17]؟

خلاصة:
أهمية تسبيب الأحكام الجنائية تبقى قائمة أيا كانت مواقف فقه القانون واجتهاد المحكمة العليا والمجلس الدستوري مستقبلا. 
طالما أن الأحكام القضائية تصدر باسم الشعب الجزائري طبقا للمادة  159 من الدستور، فإنه من غير المعقول أن يفصل القضاة في القضايا بدون أن يكشفوا للمواطن عن الأسباب التي أدت بهم إلى الفصل على نحو معين دون آخر.
يعتبر التسبيب من أهم ضمانات المحاكمة العادلة، يشرح القضاة من خلاله الأسباب المتعلقة بالوقائع وبالقانون التي تبرر منطوق الأحكام الصادرة عنهم، ويشرحون بواسطته كيف أن القواعد القانونية المطبقة لا تؤدي سوى إلى الحل الذي توصلوا إليه لان خلاف ذلك يعني بان الأحكام جانبت الصواب وجائرة في حق المحكوم عليهم.
لابد من التأكيد بأن لتسبيب الأحكام والقرارات القضائية دور مهم في تكوين الثقافة القانونية للمواطن المطالب ليس فقط بمعرفة محتوى القانون بل معرفة كيف يطبقه القضاة وكيف يفسرونه.
كذلك, للتسبيب دور مهم وضروري  لتمكين قضاة النقض والاستئناف من رقابة الأحكام والقرارات الصادرة عن الجهات القضائية الأدنى درجة. رقابة المشروعية مرتبطة ارتباطا وثيقا بمعرفة وتقييم الأسباب التي تتضمنها المقررات القضائية المطعون فيها.

فوائد التسبيب بالنسبة للدفاع كثيرة وهامة إذ بفضل تسبيب الأحكام يمكن للمحامي تقديم الاستشارة المستنيرة لموكله بالطعن أو بالتخلي عن الطعن في الأحكام والقرارات القضائية.  كذلك, يحتاج المحامي إلى معرفة الاجتهاد القضائي السائد لتأسيس الدعاوى المكلف برفعها. للأسف، لا يحضى نشر القرارات القضائية بالأهمية اللازمة والنوعية المطلوبة لكي يتمكن المواطن ورجل القانون من أن يكونا على دراية آنية لمواقف المحكمة العليا ومجلس الدولة من مسائل قانونية هامة ذات صلة بتطبيق القانون[18].
يجب التأكيد في الختام بأن التسبيب هو عامل فعال لضمان الموضوعية ومنع تسلط القضاة وأنه لا يمكن للمحكوم عليهم فهم وتقبل الأحكام الجنائية الصادرة في حقهم سواء بالبراءة أو الإدانة دون معرفة التسبيب المأخوذ به.
بهذا المعنى صار التسبيب بمثابة حق أساسي  للمتقاضي ودعامة من دعائم دولة الحق والقانون.
الأستاذ غناي رمضان




[1]    المستشار نجيمي جمال " تحرير الأحكام والقرارات 2008، منتديات ستار تايمز على الشبكة العنكبوتية,
[2]  لم يكرس الدستور الفرنسي الحالي مبدأ تسبيب الأحكام  مثلما كان منصوصا عليه في دستور الجمهورية الثانية  constitution de l’an II فيفري 1848 وفي مشروع دستور الجمهورية الرابعة أكتوبر 1946.
[3]  قانون صادر بتاريخ 27 مارس 2017 (جريدة رسمية رقم 20 من سنة 2017).
[4]   قرار رقم  20664/92 صادر في 29 جوان 1994 ( ارجع إلى  الموقع الالكتروني للجنة الأوروبية لحقوق الإنسان).
[5] Voir Milano Laure , «La motivation des arrêts des cours d’assises » RDLF 2013, chron. n°07 (www.revuedlf.com
[6]   تنص  المادة 258/3 " تتشكل محكمة الجنايات الابتدائية ومحكمة الجنايات الاستئنافية عند الفصل في الجنايات المتعلقة بالارهاب والمخدرات والتهريب , من القضاةفقط"
[7]  تنص هذه المادة ما يلي (( زيادة على الشروط المنصوص عليها في المادة 119 من الدستور، يشترط في كل مشروع أو اقتراح قانون ليكون مقبولا أن يرفق بعرض أسباب، وان يحرر نصه في شكل مواد)). للتنبيه شرط تحرير النص في شكل مواد يعود على " مشروع أو اقتراح قانون" وليس على عرض الأسباب كما هو واضح في الصياغة باللغة الفرنسية لهذه المادة:
 Art.20.- « outre les conditions prévues par l’article 119 de la constitution, pour être recevable, tout projet ou proposition de loi doit être accompagné d’un exposé des motifs et son dispositif rédigé en articles ».

[8]   انظر الدراسة المعنونة  " إشكالية ازدواجية الإجراءات القضائية ..."  من كتاب الأستاذ غناي رمضان         " دراسات في قانون الإجراءات المدنية والإدارية وقانون الإجراءات الجزائية " الديوان الوطني للأشغال التربوية والتمهين - طبعة لولى سبتمبر  2017 - ص 115-126.
[9]  أصبحت الدول المصدرة للقواعد القانونية تسهر على تجريد هذه القواعد من خصوصياتها الوطنية حتى يسهل تصديرها والعمل بها بسهولة في الدول المستوردة.
[10]   تضيف  المادة 305 انه إذا تم الـدفع بــانـعـدام المسـؤولـيــة الجـزائـيـة وتبين  لـلــرئــيس ذلك،  يــســتـبــدل الــسـؤال الــرئــيـسـي بـالــســؤالـين الآتيين 1- هل قام المتهم بارتكاب هذه الواقعة؟ 2- هل كــان المــتـــهم مــســؤولا جـــزائــيــا أثــنـــاء ارتــكــابه الفعل المنسوب إليه ؟
[11] معدلة بموجب القانون رقم 82-03 المؤرخ في 13 فبراير 1982 ( ج ر 7 ص 313.
[12]  استحدثت هذه المادة بموجب القانون 15-02 المؤرخ في 23 يوليو 2015 (ج ر 40 ص39)
[13]  مصادق عليها من طرف المجلس الأعلى للقضاء في دورته المنعقدة بتاريخ 23 ديسمبر 2006 ومنشورة في الجريدة الرسمية بتاريخ 14 مارس 2007 (ج ر 17 ص 15-18)
[14]   تم تبنيه من طرف الجمعية العامة بتاريخ 24 نوفمبر 2013 منشور بهذه الصفة في الجريدة الرسمية رقم 39. بينما صدر النظام الداخلي السابق بمرسوم رئاسي رقم 05/279 مؤرخ في 14 أوت 2005 ( ج ر عدد 55 ص 7-13).
[15] Voir Sébastien Fucini op citée «  Contrôle et étendue de l’exigence de motivation des arrêts d’assises »,  publié sur Dalloz Actualité (http://www.dalloz-actualite.fr

[16] Arrêt n° 381 du 8 février 2017 (16-80.391) - Cour de cassation - Chambre criminelle - ECLI:FR:CCASS:2017:CR00381
[17]  الدفع بعدم الدستورية المكرس دستوريا بموجب المادة 188 سيدخل حيز التنفيذ بعد ثلاثة سنوات من إصدار التعديل الدستوري الأخير في الجريدة الرسمية بتاريخ 7 مارس 2016.
[18]  في السابق كان يكفي المحامي المعتمد لدى المحكمة العليا تقديم طلب لرئاسة كتابة الضبط ليتمكن من سحب قرارات قضائية معروف عنها تكريس اجتهاد في مجالات معينة. 


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire