هل الوساطة طريق بديل ناجع للدعوى العمومية
حسب تعديل قانون الإجراءات الجزائية

الأستاذ غناي رمضان
محام لدى المحكمة العليا
ghennairam@hotmail.fr
بعدما كرس المشرع الوساطة في المنازعات المدنية بموجب قانون الإجراءات
المدنية والإدارية ( ق ا م ا ) في 2008 ها هو الآن يكرسها في تعديل
قانون الإجراءات الجزائية ( ق ا ج ) الصادر بموجب الأمر رقم 15-02 المؤرخ في 23
جويليا 2015، المنشور في الجريدة الرسمية رقم 40.
للتذكير لقد تم بموجب المادة الثامنة من هذا الأمر إتمام الباب الأول من
الكتاب الأول من الأمر رقم 66-155 المؤرخ في 08 يونيو 1966 المتضمن ( ق ا ج ) بإضافة
فصل ثان مكرر تحت عنوان " في الوساطة " يتضمن عشرة مواد جديدة ابتداء من
المادة 37 مكرر إلى 37 مكرر 09.
نصت الفقرة الأولى من المادة 37 مكرر على أنه ( يجوز لوكيل الجمهورية، قبل أي متابعة جزائية، أن يقرر بمبادرة منه أو بناء على طلب الضحية أو المشتكى منه، إجراء وساطة عندما يكون من شأنها وضع حد للإخلال الناتج عن الجريمة
أو جبر الضرر المترتب عليها ).
هل هذه الوساطة
تمثل طريقا بديلا ناجعا وفعالا للدعوى العمومية أم أن مصيرها يحتمل الفشل أكثر من
النجاح مثلما حدث لشقيقتها في المادة المدنية.
للإجابة على هذا التساؤل لا غنى عن معرفة الحقائق التي سيكشف عنها تطبيق
المقتضيات القانونية الجديدة لكن في انتظار ذلك لا مانع من تحليل هذه المقتضيات من
اجل استقصاء بعض المؤشرات المرجحة لنجاح أو فشل الوساطة في المادة الجزائية.
أولا: عن شروط صحة اتفاق الوساطة:
1- تفرغ الوساطة
في شكل اتفاق مكتوب مبرم بين الضحية والمشتكى منه بمبادرة من وكيل الجمهورية أو
أطراف النزاع. لا تقوم الوساطة إذا رفضها احد الأطراف وعند قبولها يحق لكل طرف الاستعانة
بمحاميه. يتضمن اتفاق الوساطة تدوين ( هوية وعنوان الأطراف وعرضا وجيزا للأفعال وتاريخ ومكان وقوعها ومضمون اتفاق الوساطة وآجال تنفيذه ). مضمون
الاتفاق يتمثل إما في إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه وإما الحصول على تعويض مالي أو عيني عن الضرر، وإما أي اتفاق آخر غير مخالف للقانون. يوقع المحضر
من طرف وكيل الجمهورية وأمناء الضبط والأطراف وتسلم نسخة منه إلى كل طرف.
2- لا يكفي رضا الطرفين
لقيام الوساطة. اشترط المشرع لقيام الوساطة تقرير وكيل الجمهورية بإجرائها عندما تتحقق
مجموعة من الشروط:
- أن تتم الوساطة قبل
أية متابعة جزائية. هذا يعني بأن الوساطة غير ممكنة بعد قيام المتابعة الجزائية.
هل هي غير جائزة في القضايا التي تحرك فيها الدعوى العمومية بسعي من الضحية عن
طريق الاستدعاء المباشر طبقا للمادة 337 من ق ا ج أو الادعاء المدني أمام عميد
قضاة التحقيق طبقا للمادة 72 من ذات القانون؟
- عندما يكون من شأن الوساطة
( وضع حد للإخلال الناتج عن الجريمة أو جبر الضرر المترتب عليها). هذان الشرطان
غير متلازمان بل يكفي تحقق واحد منهما. لا شك أن تقييم مدى تحقق شرط وضع حد للإخلال
الناتج عن الجريمة هو من مهام وكيل الجمهورية لأنه هو المكلف أصلا بالمحافظة على النظام
العام فإن شرط جبر الضرر المترتب عن الجريمة هو منطقيا من اهتمامات الضحية لأنها
هي الطرف المتضرر. هل هذا يؤدي إلى ضرورة قيام وكيل الجمهورية باستشارة الضحية أو
دفاعها قبل أن يقرر إجراء الوساطة ؟
- عندما تتعلق الوساطة بجنحة من الجنح الخمسة عشرة المحددة على وجه الحصر في المادة 37
مكرر2 أو بأي مخالفة دون تمييز. هذا يعني بأن الوساطة لا تجوز في مادة الجنايات
مهما اختلفت أنواعها. ان الجنح المسموح إجراء الوساطة فيها هي على وجه الحصر: ( جرائم السب والقذف والاعتداء على الحياة الخاصة والتهديد والوشاية الكاذبة وترك الأسرة والامتناع العمدي عن تقد يم النفقة وعدم تسليم طفل والاستيلاء بطريق الغش على أموال الإرث قبل قسمتها أو على أشياء مشتركة أو أموال الشركة وإصدار شيك بدون رصيد والتخريب أو الإتلاف العمدي لأموال الغير وجنح الضرب والجروح غير العمدية والعمدية المرتكبة بدون سبق الإصرار والترصد أو استعمال السلاح، وجرائم التعدي على الملكية العقارية والمحاصيل الزراعية والرعي في ملك الغير واستهلاك مأكولات أو مشروبات أو الاستفادة من خدمات أخرى عن طريق التحايل ).
إذا كان المعيار
المعتمد كأساس لهذا التحديد هو كون ارتكاب هذه الجنح يلحق أضرارا بالأشخاص فإن
هناك جنحا أخرى كثيرة من ذات الصنف لم تحض بإدراجها ضمن مجالات الوساطة. هل لهذا
الإقصاء أسباب تبرره أم انه مجرد سهو أو تقصير يستوجبان التصحيح ؟
ثانيا: الجهة المكلفة
بإجراء الوساطة
لم
ينص ق ا ج صراحة على أن وكيل الجمهورية هو من يتكفل بإجراء الوساطة ذلك أن نص
المادة 37 مكرر1 المذكور أعلاه منح لممثل النيابة العامة
سلطة
تقرير إجراء الوساطة وليس القيام بها، غير أن استقراء بعض الحقائق يسمح باستنتاج عكس
هذا:
1- كون الفصل الثاني
المستحدث بعنوان الوساطة لم يتضمن أية
إحالة على التنظيم لوضع قواعد تتناول دور الوسيط وكيفية أداء مهامه مثلما كرسها في
ق ا م ا وصدور المرسوم التنفيذي رقم 09/100 المؤرخ في 07/03/2009 الذي متضمن تنظيم
مهنة الوسيط القضائي. في غياب مثل هذا النص لا يمكن لوكيل الجمهورية تعيين أي شخص
للقيام بمهمة الوساطة وبالنتيجة فان وكيل الجمهورية هو من يقوم بدور الوسيط. هذا
الاستنتاج يفسر كون المشرع اشترط لصحة اتفاق الوساطة ان يكون ممضيا من طرف وكيل
الجمهورية إلى جانب أطراف النزاع وكاتب الضبط.
2- كون المادة 37 مكرر1
منحت وكيل الجمهورية سلطة تقديرية شبه مطلقة في اتخاذ قرار إجراء الوساطة. موافقة
الأطراف المتنازعة على إجرائها لا يكفي لقيامها وإنما يشترط قرار وكيل الجمهورية
بالموافقة وهذا أمر مفهوم لأن تنفيذ اتفاق الوساطة أصبح من الأسباب التي تؤدي إلى
انقضاء الدعوى العمومية حسب تعديل المادة 06 من ق ا ج وهذا يتعلق عموما بالصلاحيات التي يتمتع بها ممثلو النيابة العامة
في مجال تقدير المتابعة الجزائية.
3- كون محضر اتفاق الوساطة لا يتحلى بصفة السند التنفيذي إذا لم
يكن موقعا من طرف وكيل الجمهورية إلى جانب إمضاء أمين الضبط والأطراف المتنازعة. توقيع
وكيل الجمهورية يعتبر ضمانة لمضمون الاتفاق ويمكن له اتخاذ ما يراه مناسبا بشأن إجراءات
المتابعة الجزائية إذا لم يتم تنفيذ الاتفاق في الآجال المحددة لان انقضاء الدعوى
العمومية لا يكون إلا بعد تنفيذ اتفاق الوساطة.
هل قيام وكيل الجمهورية بدور الوسيط ينقص
من نجاعة الوساطة كطريق بديل للدعوى العمومية؟ هل يمكن لوكيل الجمهورية القيام
بهذه المهمة عند العلم بأن عدد القضايا المعنية بالوساطة هو معتبر جدا نظرا لتفشي تلك
الأنواع من الجرائم في المجتمع وعند العلم بأن الوساطة لا تتم بالضرورة في يوم
تقديم الأطراف أمام وكيل الجمهورية بل قد تأخذ أياما عديدة وتتطلب محاولات كثيرة
لتقريب وجهات النظر؟ هل تعتبر الوساطة التي ينجزها وكيل الجمهورية سليمة في كل
الحالات عند العلم بأن مشاركة وكيل
الجمهورية في حصول الاتفاق بين الضحية والمشتكى منه قد يؤثر سلبا على رضا هذا
الأخير الذي قد يوافق على الحلول المقترحة بدون إبداء أي اعتراض مخافة من أن يقرر
وكيل الجمهورية الكف عن إجراء الوساطة وتحريك الدعوى العمومية ضده؟ هذا الاحتمال أكثر
وقوع عندما تكون العقوبات الجزائية المقررة قانونا هي عقوبات سالبة للحرية.
نجاعة الوساطة مرتبطة بالنزاهة المهنية التي
يتحلى بها ممثل النيابة العامة. قد تصبح الوساطة مجالا خصبا لمحاولة ارتشاء من طرف
المشتكى منهم نظرا لما يوفره لهم إجراء
الوساطة من مزايا نتيجة عدم متابعتهم جزائيا وانقضاء الدعوى العمومية ضدهم. ينبغي اخذ كل الاحتياطات الضرورية والمناسبة لكي
لا تصبح الوساطة في المادة الجزائية منبرا تتعالى منه الأصوات المشككة في نزاهة العدالة.
كان من المستحسن لو اخذ ق ا ج بإنشاء سلك
للوسطاء مثل ما هو مأخوذ به في ق ا م ا أو أنه أعطى مهمة القيام بالوساطة في
المادة الجزائية لسلك الوسطاء المنشأ بالمرسوم التنفيذي رقم 09/100 المؤرخ في
07/03/2009. هذا الاقتراح يتماشى مع كون تدخل الوسيط في المنازعات المدنية يتعلق بالحقوق
المدنية وهو ذات المجال الذي يتدخل فيه الوسيط الجزائي عند قيامه بالمهمة من اجل
إنصاف الطرف المدني وتعويضه عن الأضرار اللاحقة به جراء فعل المشتكى منه.
بتكريس الوساطة في المادة الجزائية يعترف
المشرع بأن العقاب الجزائي ليس هو دوما الحل الأمثل لتحقيق العدل وإنصاف المتقاضي وهذا
ما يتماشى واحدث مدارس علم الإجرام في القانون المقارن. رب اتفاق غير منصف بالكامل
هو أفضل من محاكمة تراعي الجوانب الشكلية أكثر من تحقيق العدل والإنصاف.
الأستاذ غناي رمضان